محمد بن جرير الطبري

151

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وتوفاهم " في موضع نصب بمعنى المضي ، لأن " فعل " منصوبة في كل حال . والآخر أن يكون في موضع رفع بمعنى الاستقبال ، يراد به : إن الذين تتوفاهم الملائكة . فتكون إحدى التاءين من توفاهم محذوفة ، وهي مرادة في الكلمة ، لأن العرب تفعل ذلك إذا اجتمعت تاءان في أول الكلمة ربما حذفت إحداهما وأثبتت الأخرى ، وربما أثبتهما جميعا . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعني جل ثناؤه بقوله : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ومن يفارق أرض الشرك وأهلها هربا بدينه منها ومنهم إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه ، وذلك الدين القيم . يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً يقول : يجد هذا المهاجر في سبيل الله مراغما كثيرا ، وهو المضطرب في البلاد والمذهب ، يقال منه : راغم فلان قومه مراغما ومراغمة مصدرا ، ومنه قول نابغة بني جعدة : كطود يلاذ بأركانه * عزيز المراغم والمهرب وقوله : وَسَعَةً فإنه يحتمل السعة في أمر دينهم بمكة ، وذلك منعهم إياهم من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية ثم أخبر جل ثناؤه عمن خرج مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله وإلى رسوله إن أدركته منيته قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة ، فقال : من كان كذلك فقد وقع أجره على الله ، وذلك ثواب عمله وجزاء هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه . يقول جل ثناؤه : ومن يخرج مهاجرا من داره إلى الله وإلى رسوله ، فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دار هجرته باخترام المنية إياه قبل بلوغه إياها على ربه . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يقول : ولم يزل الله تعالى ذكره غفورا ، يعني : ساترا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها رحيما بهم رفيقا . وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب بعض من كان مقيما بمكة وهو مسلم ، فخرج لما بلغه أن الله أنزل الآيتين قبلها ، وذلك قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله : وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً فمات في طريقه قبل بلوغه المدينة . ذكر الأخبار الواردة بذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال : كان رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع ، قال : فلما أمروا بالهجرة كان مريضا ، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله ، قال : ففعلوا ، فأتاه الموت وهو بالتنعيم ، فنزلت هذه الآية . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير أنه قال : نزلت هذه الآية : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ في ضمرة بن العيص بن الزنباع ، أو فلان بن ضمرة بن العيص بن الزنباع ، حين بلغ التنعيم مات فنزلت فيه . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن العوام التيمي بنحو حديث يعقوب ، عن هشيم ، قال : وكان رجلا من خزاعة . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً الآية ، قال : لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمرة بمكة ، قال : والله إن لي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها وإني لأهتدي ، أخرجوني وهو مريض حينئذ . فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات ، فأنزل الله تبارك وتعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ الآية حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : لما نزلت : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قال رجل من المسلمين يومئذ وهو مريض : والله مالي من عذر إني لدليل